صديق الحسيني القنوجي البخاري

599

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 145 إلى 152 ] فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ( 145 ) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ( 146 ) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 148 ) فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ( 150 ) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 152 ) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ النبذ الطرح ، والعراء قال ابن الأعرابي هو الصحراء وقال الأخفش : الفضاء وقال أبو عبيدة : الواسع من الأرض ، وقال الفراء : المكان الخالي وروي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال : هو وجه الأرض ، وقيل : الأرض الخالية عن الشجر والنبات ، وقيل : بالساحل ، قاله ابن عباس ؛ والمعنى أن اللّه طرحه من بطن الحوت في الصحراء الواسعة التي لا نبات فيها ، أو أمرنا الحوت بنبذه وإنما أضاف النبذ إلى نفسه وإن كان الحوت هو النابذ لأن أعمال العباد مخلوقة للّه . وَهُوَ عند إلقائه سَقِيمٌ لما ناله في بطن الحوت من الضرر ، قيل : صار بدنه كبدن الطفل حين يولد ، وقيل : كالفرخ الممعط أي المنتوف شعره وقيل كان قد بلي لحمه ورق عظمه ولم تبق له قوة ، وقد استشكل بعض المفسرين الجمع بين ما وقع هنا من قوله : فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وقوله في موضع آخر لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [ القلم : 49 ] فإن هذه الآية تدل على أنه لم ينبذ بالعراء ، وأجاب النحاس وغيره بأن اللّه سبحانه أخبر ههنا أنه نبذ بالعراء وهو غير مذموم ، ولولا رحمته عزّ وجلّ لنبذ بالعراء وهو مذموم . وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً فوقه تظلل عليه ، وقيل : معنى عليه عنده ، وقيل : معنى عليه له أي مظلة له مِنْ يَقْطِينٍ هو شجرة الدباء وقال المبرد : اليقطين يقال لكل شجرة ليس لها ساق ، بل يمتد على وجه الأرض نحو الدباء والبطيخ والحنظل ، فإن كان لها ساق تقلها فيقال لها شجرة فقط ، وهذا قول الحسن ومقاتل وغيرهما ، وقال سعيد بن جبير : هو كل شيء ينبت ثم يموت من عامه قال الجوهري : اليقطين ما لا ساق له من الشجر كشجر القرع ونحوه . قال الزجاج : اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان أي أقام به ؛ فهو يفعيل . وقيل : هو اسم أعجمي . قال المفسرون : كان يستظل بظلها من الشمس وقيض اللّه له أروية من الوحش تروح عليه بكرة وعشية فكان يشرب من لبنها حتى اشتد لحمه ونبت شعره ثم أرسله اللّه بعد ذلك ، قال ابن عباس : يقطين القرع . وعليه الجمهور وفائدته أن الذباب لا يجتمع عنده . وأنه أسرع الأشجار نباتا وامتدادا وارتفاعا . قال ابن جزي : وخص اللّه القرع لأنه يجمع برد الظل ، ولين الملمس ، وكبر